الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المعرض على الحاكم عدم إصابته حكم اللّه تعالى ، أو عدم العدل في الحكم . وقد كره العباس وعليّ حكم أبي بكر وحكم عمر في قضية ما تركه النبي صلى اللّه عليه وسلم من أرض فدك ، لأنّهما كانا يريان أنّ اجتهاد أبي بكر وعمر في ذلك ليس من الصواب . وقد قال عينية بن حصن لعمر : « إنّك لا تقسم بالسوية ولا تعدل في القضية » فلم يعد طعنه في حكم عمر كفرا منه . ثم إنّ الإعراض عن التقاضي لدى قاضي يحكم بشريعة الإسلام قد يكون للطعن في الأحكام الإسلامية الثابت كونها حكم اللّه تعالى ، وذلك كفر لدخوله تحت قوله تعالى : أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا [ النور : 50 ] ؛ وقد يكون لمجرّد متابعة الهوى إذا كان الحكم المخالف للشرع ملائما لهوى المحكوم له ، وهذا فسوق وضلال ، كشأن كلّ مخالفة يخالف بها المكلّف أحكام الشريعة لاتّباع الأعراض الدنيوية ، وقد يكون للطعن في الحاكم وظنّ الجور به إذا كان غير معصوم ، وهذا فيه مراتب بحسب التمكّن من الانتصاف من الحاكم وتقوميه ، وسيجيء بيان هذا عند قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ في سورة العقود [ 44 ] . ومعنى شَجَرَ تداخل واختلف ولم يتبيّن فيه الإنصاف ، وأصله من الشجر لأنه يلتفّ بعضه ببعض وتلتفّ أغصانه . وقالوا : شجر أمرهم ، أي كان بينهم الشرّ . والحرج : الضيق الشديد يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] . وتفريع قوله : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية على ما قبله يقتضي أنّ سبب نزول هذه الآية هو قضية الخصومة بين اليهودي والمنافق ، وتحاكم المنافق فيها للكاهن ، وهذا هو الذي يقتضيه نظم الكلام ، وعليه جمهور المفسّرين ، وقاله مجاهد ، وعطاء ، والشعبي . و في « البخاري » عن الزبير : أحسب هذه الآية نزلت في خصومة بيني وبين أحد الأنصار في شراج من الحرّة ( أي مسيل مياه جمع شرج - بفتح فسكون - وهو مسيل الماء يأتي من حرّة المدينة إلى الحوائط التي بها ) إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال رسول اللّه : « اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك » فقال الأنصاري : لأن كان ابن عمّتك . فتغيّر وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : اسق يا زبير حتّى يبلغ الماء الجدر ثم أرسل إلى جارك واستوف حقّك ( والجدر هو ما يدار بالنخل من التراب كالجدار ) فكان قضاؤه الأوّل صلحا ، وكان قضاؤه الثاني أخذا بالحقّ ، وكأنّ هذا الأنصاري ظنّ أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحقّ الزبير جبرا لخاطره ، ولم ير في ذلك ما ينافي العصمة ، فقد كان الصحابة متفاوتين في العلم بحقائق صفات الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من